محمد بن جرير الطبري

224

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

وأولى هذه الأقوال بالصواب قول من قال : عني بالقانع : السائل لأنه لو كان المعني بالقانع في هذا الموضع المكتفي بما عنده والمستغني به ، لقيل : وأطعموا القانع والسائل ، ولم يقل : وأطعموا القانع والمعتر . وفي اتباع ذلك قوله : والمعتر الدليل الواضح على أن القانع معني به السائل ، من قولهم : قنع فلان إلى فلان ، بمعنى سأله وخضع إليه ، فهو يقنع قنوعا ومنه قول لبيد : وأعطاني المولى على حين فقره * إذا قال أبصر خلتي وقنوعي وأما القانع الذي هو بمعنى المكتفي ، فإنه من قنعت به بكسر النون أقنع قناعة وقنعا وقنعانا . وأما المعتر : فإنه الذي يأتيك معترا بك لتعطيه وتطعمه . وقوله : كذلك سخرناها لكم يقول هكذا سخرنا البدن لكم أيها الناس لعلكم تشكرون يقول : لتشكروني على تسخيرها لكم . القول في تأويل قوله تعالى : * ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين ) * . يقول تعالى ذكره : ( لن ) يصل إلى الله لحوم بدنكم ولا دماؤها ، ولكن يناله اتقاؤكم إياه إن اتقيتموه فيها فأردتم بها وجهه وعملتم فيها بما ندبكم إليه وأمركم به في أمرها وعظمتم بها حرماته . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا يحيى ، عن سفيان ، عن منصور ، عن إبراهيم ، في قول الله : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم قال : ما أريد به وجه الله . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم قال : إن اتقيت الله في هذه البدن ، وعملت فيها لله ، وطلبت ما قال الله تعظيما لشعائر الله ولحرمات الله ، فإنه قال :